Saturday, April 22, 2006

ضمانات القضاة

أحيل مؤخرا إلى ما أسمي بمجلس الصلاحية عدد من القضاة و هو أمر لا يزال يثير أراء النخبة و المهتمين بالشأن العام و الشأن القضائي. في مدونة سابقة عددت طرق اختيار القضاة و الابعاد المتصلة بها، و كنت قد وعدت بالالتفات إلى ضمانات القضاة. ها أنا أفعل اليوم خاصة و أن القضاء و هو السلطة الثالثة في أنظمة الحكم الحديثة يعد السلطة الأقل حظا في الحديث و العناية رغم أنها عماد العدل الذي هو أساس الحكم.
لماذا الحديث عن ضمانات القضاة؟
يجب أن ننتبه إلى أن ضمانات القضاة ليست مقررة لأشخاصهم و إنما عني بها طلبا لاستقلال القضاء كمؤسسة يقف ببابها المظلوم مبتغيا اقرار الحق و ارساء العدل و النظام. ضمانات القضاة هي واحدة من صمامات الأمان في هيكل مؤسسات الحكم الرشيد.
إذن ما هي الضمانات التي أقرها القانون للقضاة؟
أولا: عدم القابلية للعزل
لا يجيز القانون فصل القاضي و أو وقفه عن العمل أو احالته إلى المعاش قبل الأوان القانوني أو نقله إلى وظيفة أخرى غير قضائية إلا في أحوال نص عليها القانون.
عدم قابلية القضاة للعزل هي أهم ضمانات القضاة قاطبة بل هي لب استقلال القضاء و جوهره. إذ لا يستطيع القاضي بغير هذه الضمانة إعلاء كلمة القانون في مواجهة الظالم حاكما كان أو محكوما. لذلك نص الدستور المصري في مادته 168 على أن القضاة غير قابلين للعزل و أقرت بالمبدأ على الأقل قوانين السلطة القضائية التي بسطت هذه الضمانة لتشمل جميع القضاة منذ تعيينهم في القضاء.
بيد أن هذا المبدأ تعتريه استثناءات نص عليها القانون مثل جواز عزل القاضي كعقوبة تأديبية طبقا لنص المادة 108 من قانون السلطة القضائية، فضلا عن إحالة القاضي للمعاش متى بلغ السن القانونية أو ما لم يستطع متابعة عمله لأسباب صحية قبل بلوغ سن المعاش، و أخيرا يبيح القانون احالة القاضي إلى المعاش قبل السن القانونية أو نقله إلى وظيفة أخرى غير قضائية إذا ظهر في أي وقت أن القضاي فقد أسباب الصلاحية لولاية القضاء لغير الأسباب الصحية.

ثانيا: يقرر القانون قواعد خاصة بنقل القضاة و ندبهم و ترقيتهم و مرتباتهم و التحقيق معهم و مساءلتهم و محاكمتهم جنائيا. إذ أن القاضي بحاجة إلى ما يحفظ استقلاله و يحميه من نكاية البعض به بنقله وقتما شاء إلى حيثما شاء و كذا حمايته من فرصة استمالة البعض الآخر له. بما للقضاء من مرتبة سامية تتطلب فيمن يتولاه المهابة و الوقار و حسن المظهر حتى يكبر في نفوس الخصوم الجرأة عليه لذلك يحرص القانون على كفاية القاضي ماديا خاصة و أن القانون يحظر على القاضي العمل بالتجارة أو أي عمل لا يتفق و منصب القضاء. و يقرر القانون نظاما ماليا خاصا تمنح فيه للقضاة مرتبات تحفظ كرامتهم و تحمي نزاهتهم.

بالتأكيد هناك تفاصيل كثيرة تتعلق بذلك المبحث لكني ألتفت إلى نواقص عدة تجرح استقلال القضاة و تفرغ المبدأ الدستوري من محتواه و تجعل للسلطة التنفيذية اليد العليا في تقرير قواعد و قوانين استقلال القضاة.
مثلا في جواز احالة القاضي إلى المعاش قبل السن القانونية أو نقله إلى وظيفة أخرى غير قضائية إذا ظهر في أي وقت أن القاضي فقد أسباب الصلاحية لولاية القضاء لغير الأسباب الصحية. إذ يرفع طلب الاحالة إلى المعاش أو النقل من وزير العدل من تلقاء نفسه أو بناء على طلب رئيس المحكمة التي يتبعها القاضي إلى مجلس تأديب القضاة المشكل وفقا للمادة 98 من قانون السلطة القضائية. لاحظ أن الفتك بالمبدأ لا يعجز من تسول له نفسه المساس باستقلال القاضي. إذ جعل الأمر بيد السلطة التنفيذية "وزير العدل" أو حتى قاضي واحد قد يدفعه ترغيب أو ترهيب إلى المساس باستقلال قاض مثله، حتى و إن كان البت في الطلب بيد مجلس تأديب.
عوار آخر؛ يجيز لوزير العدل عند الضرورة أن يندب مؤقتا قاضيا للعمل بأعمال قضائية أو قانونية غير عمله أو بالإضافة إلى عمله. هذا الوضع القانوني الخطير الذي يعد تدخلا مباشرا و سافرا يهدد استقلال القضاة و هو أحد المآخذ المهمة التي يندد بها شيوخ القانون و حكمائه.
ثالثا؛ يحيل القانون في أمور عدة تتعلق بالقضاة إلى مجلس من القضاة يهيمن على شئونهم تغير اسمه و قانونه مرات عدة و كان و لا يزال يثير علامات استفهام كبيرة حول مدى تدخل السلطة التنفيذية في قرارته و أعماله. هذا المجلس في آخر أطواره يسمى مجلس القضاء الأعلى و يشكل برئاسة رئيس محكمة النقض و عضوية كل من رئيس محكمة استئناف القاهرة، النائب العام، أقدم اثنين من نواب رئيس محكمة النقض، أقدم اثنين من رؤساء محاكم الاستئناف الأخرى –غير القاهرة- و رغم تكوينه القضائي فإن العهد بمهمات و صلاحيات هامة تتعلق بالقضاة و القضاء إلى مجلس مكون من 7 أفراد يعين أغلبهم بقرار من السلطة التنفيذية- رغم عدة ضمانات تعاني كثيرا من الهزال و الضمور- لا يحمي بشكل عملي و حقيقي استقلال القضاة و يجعل للسلطة التنقيذية قولا مسموعا و مطاعا في ساحة يجب ألا يكون لها فيها مكان.
خلاصة القول أنه رغم النص دستوريا على استقلال القضاة و عدم قابليتهم للعزل، فإن المشرع و قد حاصرته السلطة التنفيذية بل و تلبست ثوبه بغير حق صارت عباءاتها متعددة لكن مع الاسف تصف و تشف عورة مغلظة توجب تعزيرا شرعيا يردها إلى رشدها و يرد الحقوق إلى أهلها.


لا بأس من الاشارة إلى أفكار و نظم أخرى أعطت القضاة كثيرا فأقاموا عدلا و لم يخافوا لومة لائم، مثلا في كندا يقوم بمهام تتشابه إلى حد ما مع مجلس القضاء الأعلى في مصر مجلس يتعدد أعضاؤه و يبتعدون كثيرا عن تأثير السلطتين الأخرتين-التشريعية و التنفيذية-